الخميس، 20 يناير، 2011

الرد على سؤال لماذا خلق الله الشر والمرض

لماذا خلق الله الشرَّ ..؟!

فريق من الناس يسأل استرشاداً .. وفريق يسأل فتنة :
لماذا خلق الله الشرَّ ..؟!
ولهؤلاء وأولئك نقول:
خلق الله تعالى الشرَّ لحكَمٍ جليلة عديدة، نعرف بعضها، ونجهل أكثرها .. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)
من تلك الحِكَم:
أن الله تعالى ربُّ العالمين .. ومن كمال الربوبية وشموليتها .. أن يكون الربُّ رباً لكلِّ شيء .. وخالقاً لكل شيء .. للخير والشرِّ معاً.
ومنها:
لكي تظهر قدرته لخلقه .. وأن الله تعالى قادر على أن يخلق الشيء وضده .. وأنه المتفرد بذلك .. فكما أن الله تعالى قادر على أن يخلق الخير، وعلى تصريفه كيفما يشاء، وحيث يشاء .. فهو قادر على أن يخلق الشر، وعلى تصريفه كيفما يشاء، وحيث يشاء ..بلا ممانع ولا منازع .. وكما أن الله تعالى قادر على أن يخلق الحياة من لا شيء .. فهو سبحانه قادر على أن يخلق الموت وأسبابه ..!
ومنها:
أن الدنيا دار عملٍ، واختبارٍ، وبلاء .. وهذا من لوازمه أن يخلق الله تعالى الخير والشر، كما قال تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) .
ومنها:
أن المخلوق يحتاج لمن يجلب له الخير، ويدفع عنه الشر .. فلا يستقيم شرعاً ولا عقلاً أن يجد الأولى عند خالقه .. والأخرى عند غيره .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!
ومنها:
أن الخير يُعرف بضده .. وأن الحقّ يُعرف بضده؛ فنعمة الخير تُعرف بشرِّ فقدانها .. والحق يُعرف قدره بمعرفة ضده من الباطل ..!
كيف تعرف نعمة التوحيد وفضله عليك .. وأنت تجهل الشرك .. وما يُجلبه من شرور وأضرارٍ على صاحبه في الدنيا والآخرة ؟!
كيف تعرف نعمة الصحة .. وأنت لا تعرف المرض .. ولم تجربه ..؟!
كيف تعرف نعمة الشبع .. وأنت لا تعرف الجوع .. ولم تجربه ..؟!
كيف تعرف نعمة الغنى .. وأنت لا تعرف الحاجة ولا الفقر .. ولم تجربه ..؟!
كيف تعرف نعمة الوصل .. والعيش مع الأهل والأحبة .. وأنت لا تعرف شر وفتنة وآلام الفراق ..؟!
كيف تعرف نعمة العلم .. وأنت تجهل الجهل وآثاره .. وهكذا كل شيءٍ فإنه لكي يُعرف على حقيقته لا بد أن يُعرف ضده.
ومنها:
أن الشرَّ سببٌ للموت .. والإنسان لا بد له من الموت ..!
ومنها:
أن الله تعالى يُعبد في السراء والضراء .. ويُحب أن يُعبد في الضراء كما يُعبد في السرَّاء .. وهذا من لوازمه وجود السراء والضراء .. والخير والشر.
ومنها:
أن من مقتضيات ولوازم أسماء الله تعالى وصفاته .. وجود الخير والشر .. فالله تعالى هو الغني الرزاق .. وهذا من مقتضياته ولوازمه وجود الفقير المحتاج الذي يسأل الله تعالى الغنى والرزق .. فيعطيه.
والله تعالى غفور رحيم .. وهذا من لوازمه ومقتضياته وجود الشر والإثم .. الذي يحمل صاحبه على طلب الرحمة والمغفرة من ربه .. فيغفر له ويرحمه.
والله تعالى المنتقم الجبار .. وهذا من لوازمه ومقتضاه .. وجود الظالمين .. الذين ينتقم الله منهم ..!
وهكذا كل اسم من أسماء الله تعالى تجد أن له مقتضيات في خلقه .. لا بد من ظهورها ووجودها!
ومنها:
أن العبد لا يعرف فضل الله عليه .. إلا عندما يرى غيره مبتلاً بفقد ما منَّ الله به عليه ..
فيجد نفسه مشدوداً للقول:
الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به، وفضلني على كثير من خلقه تفضيلاً ..!
ومنها:
أن الخير الصرف يُطغي صاحبه ويُنسيه أن له رباً يُعبد .. كما قال تعالى كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) .
فيأتي الشر ليُذكره .. ويأطره لأن يقول: يا رب اغفر لي .. يا رب ارحمني .. يا رب عافني واعف عني ..!
فالشرُّ في الغالب يأتي بالعبد ليقف بين يدي ربه منكسراً ضارعاً متذللاً .. خائفاً .. باكياً .. يسأله العفو والمغفرة .. وهذا مطلب شرعي يُحبه الله .. بخلاف الخير .. وفعل الخير .. فإنه ـ في كثير من الأحيان ـ يحمل صاحبه على الغرور .. والأمن والرجاء .. إلا من رحم الله!
ومنها:
ليندفع به شرٌّ أكبر .. فكم من شرٍّ يُبتلى به المرء ليندفع به شرٌ أكبر وهو لا يدري .. كخرق الخضر للسفينة .. وقتله للغلام .. وما أكثر الأمثلة والشواهد على ذلك من حياتنا اليومية لو أردنا التوسع والاستدلال.
كم من مرة نُبتلى بشرٍّ .. نسخطه .. ثم ندرك بعد زمن يشاؤه الله .. أن هذا الشرَّ كان فيه خيراً كثيراً ..!
ومنها:
أن الشر يؤدب بعضه بعضاً .. فينتقم الله من شرٍّ بشرٍّ آخر .. فيسلط الظالمين بعضهم على بعض .. وهذا هو المراد من قوله r:" إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوامٍ لا خلاق لهم ". فيدفع الله بهم ظلماً أشد .. وفجوراً أكبر!
ونحو ذلك الجهاد .. فيندفع بشر القتل والقتال .. شراً أكبر، وفتنة أكبر .. ليعم الأمن والأمان .. والخير والسلام!
ومنها:
أن من النفوس من لا ينفع معها الخير .. فالخير يزيدها طغياناً وتجبراً .. بخلاف لو جُرب معها الشرِّ فإنه يهذبها ويؤدبها ويُعيدها إلى رشدها وصوابها .. كما في القصاص بالنسبة للمجرمين الخارجين عن حدود الله ..!
ومنها:
أن من مقتضيات البلاء والتمحيص .. وحتى يُعرف الحق من الباطل .. والمؤمن الصابر من
غيره .. وجود الخير والشرّ .. والبلاء بالخير والشرّ ..!
فهل يرضى العبد بحكم الله تعالى وقضائه في الشر .. كم يرضى بحكمه في الخير .. أم أنه إذا أصابته سرّاء رضي وشكر .. وإن أصابته ضراء كفر وتضجّر .. واعترض؟!
فمن النفوس من تنجح في بلاء الخير دون الشر .. ومنها من تنجح في بلاء الشر دون الخير .. والنفوس المؤمنة الصالحة هي التي تنجح في بلاء الخير والشرِّ .. وترضى وتسلم في بلاء الخير والشر .. وهؤلاء هم الفائزون!
ومنها:
ليقذف الله الحق بالباطل فيدمغه .. وليصطفي الله من عباده الشهداء .. فالشر في كثير من صوره يكون بلاءً لأهل الخير .. ليُرى كيف سيتصرفون ويتعاملون معه ..!
ومنها:
أن الشرّ في بعض صوره يكون لصاحبه طهوراً وكفارة لذنوبه وخطاياه ..!
ومنها:
أن معالجة الشر .. والصبر عليه .. احتساب الأجر .. يرفع صاحبه يوم القيامة درجات ومقامات عالية في الجنان ما كان ليحظى بها لولا البلاء .. وصبره على البلاء ..!
ومنها:
أن الله تعالى خلق الجنة والنار .. وهذا من تمام عدله وحكمته .. ومن لوازم وجود الجنة والنار .. وجود الخير والشر .. والحق والباطل .. والظالم والمظلوم .. ليذهب كل فريق إلى ما أُعد له من نعيم مقيم أو عذاب أليم مهين ..!
هذه بعض الحكم من خلق الله تعالى للشر .. وما يعلمه الله تعالى .. ونحن لا نعلمه .. أكثر وأكثر .. ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)

------

لماذا خلق الله الشر ؟
فإن لله فى خلقه شئون وله فى أرادته حكمه وهو أحكم الحاكمين فهو خالق الخير والشر حتى إذا إعترض أصحاب وجهات النظر الذين ينزهون الله عن خلق الشر وقد يسأل سؤالاُ يظنه منطقياً وهو :

لماذا خلق الله الشر ؟ مع قدرته على إبدال كل شر خيراً ؟ والإجابه موجوده فى صلب السؤال نفسه ألا وهى إذا خلق الله الخير فقط ولم يخلق الشر فإن ذلك قد يشير إلى نقص فى قدرته تعالى لأنه يعنى قدرته على خلق الخير فقط أما خلق الشر فإنه يعجزه وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً لأنه على كل شىء قدير ومعنى كل شىء هو الشىء وضده كقدرته تعالى على خلق الطويل وضده وما بينهما والأبيض وضده والغنى وضده والذكى وضده والعالم وضده والمهتدى وضده ( ولو شاء لهداكم أجمعين ) ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) ولذلك فلا غرابه فى وجود المنافقين بين المؤمنين والخونه بين المخلصين والعاجزين بين القادرين ولا غرابه فى الفقر بعد الغنى أو العكس والصحه بعد المرض والعكس والعز بعد الذل والعكس والعداوه بعد المحبه والعكس والحر بعد البرد والعكس لأن الله لا يسأل عما يفعل وجاز فى حقه أن يعذب من أطاعه وأن يثيب من عصاه فإذا علمنا أن الله على كل شىء قدير فلا يبقى أمامنا إلا أن نقول سبحان الله خالق كل شىء وهو العالم به والقادر عليه

-----

لماذا خلق الله سبحانه وتعالى الشر ؟.

سؤال يطرحه البعض :لماذا الله سبحانه وتعالى خلق الشر ..؟.. أوليس الله عز وجل خير محض . فهاهي الكوارث الطبيعية ، والحشرات السامة وكذا الأفاعي والعقارب وغيرها ، كما خلق الحيوانات التي تفتك بغيرها . كما خلق إبليس اللعين وخلق فرعون وهامان ويزيد وكل طواغيت الأرض .

الشر ينظر له من زاويتين

الزاوية الأولى : وهي النظرة النسبية فبعض الشرور بالنسبة لي هي خير بالنسبة الى غيري . فمثلا الشر الذي في الأفعى أو العقرب هو شر بالنسبة لي لكنه خير بالنسبة إليها فهو سبيلها للبقاء والغذاء . كما أن بعض السموم تستخدم في العقاقير الطبية ومن هذه الجهة هو خير لي .
وكذلك الزلازل فبعضها ينشأ بواسطة طرق اصطناعية وبعضها بصورة طبيعية ولولا هذه الزلازل ما تغيرت تضاريس الأرض وقشرتها .

.إن الإنسان بطبيعته يجهل أين يكمن الخير وأين يكمن الشر فنظرته محصورة وكثيرا ما ينظر للأمور من خلال نفسه وإن ابتعد ستكون نظرته شاملة لمن هم حوله فقط .

الزاوية الثانية : بعض الشرور هي عدم الوجود فافتقار الإنسان لبعض الأمور التي يحتاجها قد تكون شرا بالنسبة إليه . والله سبحانه وتعالى لم يجعل هذا النقص في هذا أو ذاك . بل الوجود وعدم الوجود مرتبط تارة بعلل طولية وتارة أخرى بعلل عرضية . فمثلا لا يمكن أن تزرع أرضا قبل أن تسوي تربتها وتجعلها صالحة للزراعة ، وحتى إن كانت صالحة للزراعة فالطقس له دور والماء له دور واليد العاملة الخبيرة لها دور والمواد العضوية الموجودة لها دور وغيرها من الأمور الأخرى فهي كلها تعتبر شرائط معدة لاستكمال عملية الزراعة ، وأي خلل من هذه الشرائط سيكون له أثر سلبي على الزرع . وهذا ما يسمى بالعلل العرضية .

الله سبحانه وتعالى جعل الأمور تجري بأسبابها وجعل لهذا الكون سنن وقوانين تحكمه فأي خلل أو قصور يعرض على أمر ما يجعل القابلية والاستعداد للفيض الإلهي غير تام . فالزواج مثلا من مصاب لامرأة مصابة بمرض وراثي أو غير وراثي سيكون سببا لنشوء أطفال مصابين بهذا المرض ، فهل سنقول أن سبب إصابة هذا الطفل للمرض بفعل الله أم بسبب الأم والأب . نعم اذا لم يصب هذا الطفل بهذا المرض سيكون ذلك من لطف الله وكرمه .

فيزيد ولد من أب و أم عرفا بطغيانهم وفجورهم وتربى في أرض غير مهيأ لحمل أي فكر سليم وعلاوة على ذلك كان مفتقرا للأخلاق شاربا للخمر وغيرها من الأمور التي تدمي القلب . ثم أخذه حب الجاه والسلطان وإستهوته الدنيا بزخارفها . فكان نتاجا طبيعيا مع كل هذه المقومات ، إذ لو كان غير ذلك لكان شاذا عن الصورة الطبيعية .

إن الله سبحانه وتعالى لا يفرق بين أحد من خلقه فالقصور ليس منه سبحانه ، بل القصور من الطرف المستقبل الذي هو أنا وأنت ، فإذا لم نكن نحمل مقومات الاستعداد لتقبل الفيض الإلهي فلن تكون شاملة لنا ولن يكتب لها الوجود في نفوسنا .


وقد يقول قائل : إن الله يعلم بهذه النتيجة فلما خلقهم إذا ؟.

والجواب : أن هذا مقتضى الحكمة الإلهية فلقد خلق الله الإنسان وجعله مختارا في تصرفاته ، وخلق البلاء ليكون سبيلا من سبل التكامل والرقي للإنسان فهو لا يرقى إلا بالسير إلى الله ومجاهدة النفس فالإنسان هو عين الفقر وهو كادح إلى ربه كدحا فملاقيه ويحصد في الآخرة نتائج عمله وما حمله معه في هذه الدار . كما أن بعض هؤلاء المفسدين كانوا سببا في وجود الصالحين إما بمجاهدتهم وإما بخروجهم من أصلابهم .

------

- لماذا خلق الله الشر ؟ -
كيف يسمح الله للاشرار بتمرير شرّهم؟

قال صاحبي ساخراً ( والحديث لمصطفى محمود )
" كيف تزعمون أن إلهكم كامل ورحمن ورحيم وكريم ورءوف وهو قد خلق هذه الشرور في العالم .. المرض والشيخوخة والموت والزلزال والبركان والميكروب والسم والحر والزمهرير وآلام السرطان التي لا تعفي الطفل الوليد ولا الشيخ الطاعن .
إذا كان الله محبة وجمالا وخيرا فكيف يخلق الكراهية والقبح والشر؟؟!! "

ونحن نقول :
إن الله كله رحمة وكله خير وأنه لم يأمر بالشر ولكنه سمح به لحكمة .
)إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ،قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ((الأعراف:28-29
الله لا يأمر إلا بالعدل والمحبة والإحسان والعفو والخير وهو لا يرضى إلا بالطيب.
فلماذا ترك الله الظالم يظلم والقاتل يقتل والسارق يسرق ؟!
لأن الله أرادنا أحرارا .. والحرية اقتضت الخطأ، ولا معنى للحرية دون أن يكون لنا حق التجربة والخطأ والصواب .. والاختيار الحر بين المعصية والطاعة .
وكان في قدرة الله أن يجعلنا أخيار، وذلك بأن يقهرنا جميعا على الطاعة قهرا ..
وكان ذلك يقتضي أن يسلبنا حرية الاختيار.
وفي دستور الله وسنته أن الحرية مع الألم أكرم للإنسان من العبودية مع السعادة ..
ولهذا تركنا نخطئ ونتألم ونتعلم، وهذه هي الحكمة في سماحة الشر .
ومع ذلك فإن النظر المنصف المحايد سوف يكشف لنا أن الخير في الوجود هو القاعدة وأن الشر هو الاستثناء .
فالصحة هي القاعدة والمرض استثناء .. ونحن نقضي معظم سنوات عمرنا في صحة ولا يزورنا المرض إلا أياما قليلة ..
وبالمثل الزلازل، هي في مجملها بضع دقائق في عمر الكرة الأرضية الذي يحصى بملايين السنين ..
وكذلك البراكين، وكذلك الحروب التي هي تشنجات قصيرة في حياة الأمم بين فترات سلام طويلة ممتدة .
ثم إننا نرى لكل شيء وجه خير، فالمرض يخلف وقاية، والألم يربي الصلابة والجَلَد والتحمل ، والزلازل تنفس عن الضغط المكبوت في داخل الكرة الأرضية، وتحمي القشرة الأرضية من الانفجار، وتعيد الجبال إلى أماكنها كأحزمة وثقالات تثبت القشرة الأرضية في مكانها، والبراكين تنفث المعادن والثروات الخبيئة الباطنة، وتكسو الأرض بتربة بركانية خصبة ..
والحروب تدمج الأمم وتلقح بينها وتجمعها في كتل وأحلاف..
وأعظم الاختراعات خرجت أثناء الحروب.. البنسلين ، الذرّة ، الصواريخ ، الطائرات النفاثة .. كلها خرجت من أتون الحروب .
ومن سم الثعبان يخرج الترياق . ومن الميكروب يصنع اللقاح .
ولولا أن أجدادنا ماتوا لما كنا الآن في مناصبنا ..
والشر في الكون كالظل في الصورة إذا اقتربت منه خيل إليك أنه عيب ونقص في الصورة .. ولكن إذا ابتعدت ونظرت إلى الصورة ككل نظرة شاملة اكتشفت أنه ضروري ولا غنى عنه.. وأنه يؤدي وظيفة جمالية في البناء العام للصورة .
وهل كان يمكننا أن نعرف الصحة لولا المرض ..
إن الصحة تظل تاج على رؤوسنا لا نراه ولا نعرفه إلا حينما نمرض .
وبالمثل: ما كان ممكنا أن نعرف الجمال لولا القبح، ولا الوضع الطبيعي لولا الوضع الشاذ.
ولهذا يقول الفيلسوف أبو حامد الغزالي: إن نقص الكون هو عين كماله، مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته، ولو أنه استقام لما رمى .
وظيفة أخرى للمشقات والآلام:
أنها هي التي تفرز الناس وتكشف معادنهم .
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والإقدام قتال ..
إنها الامتحان الذي نعرف به أنفسنا .. والابتلاء الذي تتحدد به مراتبنا عند الله .
ثم إن الدنيا كلها ليست سوى فصل واحد من رواية سوف تتعدد فصولها، فالموت ليس نهاية القصة ولكن بدايتها .
ولا يجوز أن نحكم على مسرحية من فصل واحد ولا أن نرفض كتابا لأن الصفحة الأولى لم تعجبنا .
الحكم هنا ناقص ... ولا يمكن استطلاع الحكمة كلها إلا في آخر المطاف ..
ثم ما هو البديل الذي يتصوره السائل ؟
هل يريد أن يعيش حياة بلا موت بلا مرض بلا شيخوخة بلا نقص بلا عجز بلا قيود بلا أحزان بل آلام ؟ هل يطلب كمالا مطلقا ؟ ولكن الكمال المطلق لله .
والكامل واحد لا يتعدد .. ولماذا يتعدد .. وماذا ينقصه ليجده في واحد آخر غيره .
معنى هذا أن صاحبنا لن يرضيه إلا أن يكون هو الله ذاته ؛ وهو التطاول بعينه .
ودعونا نسخر منه بدورنا .. هو وأمثاله ممن لا يعجبهم شيء ..
هؤلاء الذين يريدونها جنة . ماذا فعلوا ليستحقونها جنة ؟
وماذا قدم صاحبنا للإنسانية ليجعل من نفسه الله الواحد القهار الذي يقول للشيء كن فيكون؟
إن جدتي أكثر ذكاء من الأستاذ الدكتور المتخرج من فرنسا، بينما تقول في بساطة:
" خير من الله شر من نفوسنا " .
إنها كلمات قليلة ولكنها تلخيص أمين للمشكلة كلها ..
فالله أرسل الرياح وأجرى النهر ، ولكن ربان السفينة الجشع ملأ سفينته بالناس والبضائع بأكثر مما تحتمل ، فغرقت ، فمضى يسب الله والقدر ..
وما ذنب الله .. الله أرسل الرياح رخاء وأجرى النهر خيرا .. ولكن جشع النفوس وطمعها هو الذي قلب هذا الخير شرا .
ما أصدقها من كلمات جميلة طيبة: " خير من الله شر من نفوسنا "


-------

لماذا خلق الله الآلام والمؤذيات في حياة المسلمين الاجتماعية والسياسية؟

قد يبدو هذا السؤال في الوهلة الأولى قاسياً أو فيه تجاوز على الله تعالى، ولا شك أن الله سبحانه وتعالى ليس لأحد من خلقه أن يعترض عليه، لأنه وحده صاحب الحكم والملك، يقضي كيف يشاء، ولا راد لقضائه وحكمه الكوني القدري.

ويكون هذا السؤال تعدياً على الله -جل وتقدس- إذا قصد به المعارضة والجحود، إذ أن هذا الباب -أقصد باب الاعتراض على حكمة الله الكونية- من أخطر الأبواب التي ضل فيها الناس، فما تزندق من تزندق، وما انتكس من انتكس؛ إلا بسبب هذه الموضوع، الذي هو مزلق أقدام البرية.. نسأل الله الثبات.

وهذا المقال ليس إلا إقرار وإذعان بحكم الله وإرادته المطلقة، ثم هو –أيضاً- تحقيق وإظهار –حسب الطاقة- لحكمة الله البالغة في حكمه الغالب.. سبحانه وبحمده.

ولذلك .. ولبيان بعض جوانب الحكمة الإلهية العظيمة في ذلك لا بد من بيان أسس ومبادئ لا غنى عنها لفهم هذا الباب الخطير.

* أسس ومبادئ مهمة في هذا الباب:

أولاً: أن الله سبحانه وتعالى عدل.

فهولا يضع الشيء إلا في موضعه، فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه، وفي كل ما وضعه في محله، وهيأه له، وهو سبحانه له الخلق والأمر، فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين، ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما، وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده، وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه؛ فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيراً من أن لا يخلقه ولا يفعله، وبالعكس، وما كان عدمه خيراً من وجوده فوجوده شر وهو لا يفعله، بل هو منزه عنه والشر ليس إليه.

وبذلك ُيعلم أن الله تعالى لم يخلق هذه المؤذيات والآلام ظلماً، بل أوجدها بمقتضى عدله سبحانه، ووضعها في موضعها اللائق بها، ومن تمام عدله سبحانه أنه لم يخلق من المؤذيات والآلام ما عدمه خيراً من وجوده وإلا كان شراً، بل لم يخلق من ذلك من شيء إلا وهو عدل وخير.

ثانياً : أن الخير هو الغالب في الوجود.

فمن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب، وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها، واللذات أكثر من الآلام، والعافية أعظم من البلاء، والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر، ولو لم يوجد هذا الوجود الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب، وفوات الغالب شر غالب.

مثال على ذلك : النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر، والرياح، والحر، والبرد، فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب.

ثالثاً : أن الله رحيم لا يفعل إلا الخير.

فرحمته سبحانه غلبت الغضب، والعفو سبق العقوبة، والنعمة تقدمت المحنة، والخير في صفاته وأفعاله، والشر في المفعولات لا في الأفعال، فأوصافه كلها كمال وأفعاله كلها خيرات، فإن آلم الإنسان أو الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم، أو إعداده لقوة وصحة وكمال أعظم، أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما.

رابعاً : أن الآلام ليست شراً محضاً .

فالآلام والأمراض وإن كانت شروراً من وجه، فهي خيرات من وجوه عديدة، فالخير والشر من جنس اللذة والألم، والنفع والضرر، وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة، فهذه الآلام والمؤذيات قد تكون شراً بالنسبة إلى محلها، لكنها تكون خيراً إلى ما سواه، بل قد تكون خيراً على نفس المحل، فهي شر من وجه وخير من الوجه الآخر، فقطع يد السارق إن كان فيه ألم للسارق وضرر وشر، فهو خير للمجتمع كله والذي سينتفع بذلك، بل السارق نفسه له في ذلك الألم خير وهو كفارة له وعبرة .

خامساً : اللذات تنشأ من الآلام، والآلام من اللذات.

فأعظم اللذات ثمرات الآلام ونتائجها، وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها، فسنة الله هي ترتيب الجزاء على العمل، واللذة بعد الألم، وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل، ومرارتها تعقب الحلاوة، فحلو الدنيا مر الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام، والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاماً لا يخرج عنه شئ ألبتة، والشر مرجعه إلى اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات الدائمة والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما، وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم ما، فألم تعقبه اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل، من لذة يعقبها الألم الدائم.

سادساً : الآلام والمؤذيات خلقت للحكمة، ولم توجد عبثاً.

فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الآلام واللذات بدون حكمة، ولم يقدرهما عبثاً، ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما تثمر الأخرى، هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون المخلوق إلا فقيراً محتاجا ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيواناً، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك، وإنما جعلها داراً ممتزجاً ألمها بلذتها، وسرورها بأحزانها، وغمومها وصحتها بسقمها، حكمة منه بالغة سبحانه وتعالى.

وخلاصة هذه الأسس هي : القضاء الإلهي لا شر فيه بوجهٍ من الوجود ، لأنه علم الله وقدرته وكتابته ومشيئته ، وذلك خيرٌ محض وكمالٌ من كل وجه ، فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجهٍ من الوجوه ، لا في ذاته ، ولا في أسمائه ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ، ويكون شراً بالنسبة إلى محل ، وخيراً بالنسبة إلى محل آخر ، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجهٍ ، كما هو شر له من وجهٍ ، وهذا هو الغالب في هذا العالم ، فلله فيما خلقه الحكمة والعدل .

وعلى ضوء ذلك نفهم مدى ضعف أكثر الاعتراضات العقلية على الحكمة الإلهية، مثل قول البعض : أي حكمة أو مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان ؟ وأي حكمة في خلق الشرور والمؤذيات والآلام ؟ وأي حكمة في خلق المضار والسموم ؟ وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين وإبقائهم إلى آخر الدهر ؟ أي حكمة في كل ذلك ؟ وغيرها من الاعتراضات.

وللجواب عن هذه الأسئلة .. نقول :

إن لله في كل ما خلقه وأمر به حكمة بالغة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وكما لا يحيط بعلمه أحد، كذلك لا يحيط بحكمته أحد سواه، ولكن يمكننا تلمس تلك الحكم بمقدار ما أنعم الله علينا من عقول ومدارك، ولعل من أهم الحكم فيما خلقه الله من آلام ومؤذيات وكفر وفسوق .. ما يلي:

(1)للتمحيص والابتلاء والامتحان:

إن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاؤه، وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار كما قال تعالى : ) ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين( .

فذكر سبحانه أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم، ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره والله يبيّن سر هذه الفتنة والمحنة، وهو تبيين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه، ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم، بل بمعلومه إذا وجد وتحقق، والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه.

فمن قال: "آمنت" امتحنه الله وابتلاه لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء، فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة، والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداءً ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة، وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداءً ثم تعقبها الآلام بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عنها يتألمون بفقدها ابتداءً ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنها وتركوه منها .

إن الله سبحانه أخبر أنه خلق السماوات والأرض العالم العلوي والسفلي ليبلونا أينا أحسن عملاً ، وأخبر أنه زين الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها لهذا الابتلاء ، وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء ، فكان هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر ، فلم يكن من بد من دار يقع فيها هذا الابتلاء جسراً يعبر عليه إليها ، ومزرعة يبذر فيها وميناء يزود منها ، وهذا هو الحق الذي خلق الخلق به ولأجله وهو أن يعبد وحده بما أمر به على ألسنة رسله ، فأمر ونهى على ألسنة رسله ، ووعد بالثواب والعقاب ، ولم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يتركهم هملا ، لا يثيبهم ولا يعاقبهم ، بل خلقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب ، ولا يليق بحكمته وحمده غير ذلك .

(2) الآلام من طبيعة حياة الإنسان:

إن هذه الآلام والمؤذيات هي من طبيعة الحياة التي يحياها الإنسان ، وهي من طبيعة تركيب هذا العالم ن ولا يكون هذا العالم كما هو إلا بتلك الشرور الإضافية.

فالألمواللذة أمر ضروري لكل إنسان ، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون ، ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات ، فمن ظن أنه يتخلص من الآلام بحيث لا يصيبه البتة فظنه أكذب الحديث ، فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم .

(3) الآلام فيها منافع للإنسان والحيوان وليس لله فيها منفعة:

إن هذه المؤذيات والآلام مثل : المجاهدة ، والصبر ، والاحتمال ، والمشاق ، ونحوها ، لا يعود منها منفعة على الله سبحانه فإنه غني عن العالمين ، لأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم ، بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ومعادهم ، ونهاهم عما يعود مضرته وفساده عليهم ، في معاشهم ومعادهم ، فكانت ثمرة هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم .

ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان كانت كمالاً للحيوان ، خصوصاً لنوع الإنسان ، فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه ، وإنما ابتلاه ليعافيه ، وإنما أماته لحييه، فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب الكمال طوراً بعد طور إلى آخر كماله، بأسباب لا بد منها ، وكماله موقوف على تلك الأسباب ، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ، كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ، ولوازم ذلك ولوازم تلك اللوازم .

والآلام والمشاق إما أن تكون إحسان ورحمة ، وإما عدل وحكمة ، وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها ، وإما لدفع ألم هو أصعب منها ، وإما لتولدها عن لذات ونعم يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات ، وإما أن يكون من لوازم العدل ، أو لوازم الفضل والإحسان ، فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ؛ عطلت ملزوماتها ، وفات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام .

(4) الآلام والمشاق جسر للكمالات وأعظم اللذات:

لأن الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق ، كالعلم ، والشجاعة ، والزهد ، والعفة ، والحلم ، والمروءة ، والصبر ، والإنسان ، وإذا كانت الآلام أسباباً للذات أعظم منها وأدوم منها ، كان العقل يقضي باحتمالها ، وكثيراً ما تكون الآلام أسباباً لصحة لولا تلك الآلام لفاتت.

ولذلك حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره ، وجعلها جسراً موصلاً إليها ، كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات ، وجعلها جسراً موصلاً إليها ، ولهذا قال العقلاء : إن النعيم لا يدرك بالنعيم ، وأن الراحة لا تنال بالراحة ، وأن من آثر اللذات فاتته اللذات .

(5) تحقيق العبودية لله:

فالله سبحانه يحب أن يعبد بأنواع العبودية ، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعادة فيه ، والحب فيه والبغض فيه ، والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه ، وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية ، وأعلى مراتبها ، وهو أحب أنواعها إليه ، وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه ، من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به ، والأرواح التي تعاديه وتكفر به ، ويسلط بعضها على بعض ، لتحصل بذلك محابه على أتم الوجوه ، وتقرب أولياءه إليه بجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه ، وإذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته ، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها ، ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلى أي شئ كانت كلمته ودعوته تعلو ؟

فإن العلو أمرٌ لشيء يستلزم غالباً ما يعلى عليه ، وعلو الشيء على نفسه محال ، والوقوف على الشيء لا يحصل بدونه .

ولو لا وجود الكفار لما حصلت عبودية الجهاد ، ولما نال أهله درجة الشهادة ، ولما ظهر من يقدم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده ، ومن يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه ، فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم لله أنواع المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها لو لا وجود الكفار ؟

وتلك العبودية تقتضي درجة لا تنال إلا بها ، والرب تعالى يحب أن يبلغها رسله وأتباعهم ويشهدهم نعمته عليهم ، وفضله وحكمته ، ويستخرج منه حمده وشكره ومحبته والرضا عنه .

وذلك أن من عبوديته العتق ، والصدقة ، والإيثار ، والمواساة ، والعفو ، والصفح ، والصبر، وكظم الغيظ ، واحتمال المكاره ، ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلقه وأسبابه ، فلو لا الرق لم تحصل عبودية العتق ، فالرق من أثر الكفر ، ولو لا الظلم والإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة وكظم الغيظ ، ولو لا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة ، فلو سوَّى بين خلقه جميعهم لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحب شئ إليه ، ولأجلها خلق الجن والإنس ولأجلها شرع الشرائع ، وأنزل الكتب ، وأرسل الرسل، وخلق الدنيا .

وذلك لأنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد ، وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه ، وما يتوقف عليه الشئ لا يوجد بدونه ، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ، ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه ، فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه ، فلو لم يقدر الذنوب والمعاصي فلمن يفغر ، وعلى من يتوب ، وعمن يعفو ، ويسقط حقه ، ويظهر فضله ، وجوده ، وحلمه ، وكرمه ، وهو واسع المغفرة ، فكيف يعطل هذه الصفة ، أم كيف يتحقق بدون ما يغفر ومن يغفر له ، ومن يتوب وما يتاب عنه ؟ فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة ، فكيف والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال ، ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه .

(6) ظهور الآيات الدالة على عظمة الله .

فإنه قد يترتب على خلق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك ، فلو لا كفر قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان وبقيت يتحدث بها الناس على ممر الزمان ، ولو لا كفر عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه ، ولو لا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ، ولو لا كفر فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة ، واهتدى من شاء الله ، فهلك بها من هلك عن بينة ، وحي بها من حي عن بينة ، وظهر بها فضل الله وعدله وحمته ، وآيات رسله وصدقهم ، ولو تعطلت تلك الأسباب لتعطلت هذه الحكم والمصالح والآيات وحمته وكماله المقدس يأبى ذلك وحصول الشئ بدون لازمه ممتنع ، وكم بين ما وقع من المفاسد الجزئية وبين ما رتب الله عليها من حم ومصالح لا تحصى ، وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر ، والبرد ، والمطر ، والثلج ، بالنسبة إلى مصالحها بكثير .

(7) التمحيص بالفتن .

وذلك أن الله سبحانه بمقتضى حكمته وحمده ، وأمره ونهيه ، وقضائه وقدره ، قد جعل بعض عباده فتنة لبعض ، فهو سبحانه جعل أوليائه فتنة لأعدائه ، وأعداءه فتنة لأوليائه ، والملوك فتنة للرعية ، والرعية فتنة لهم ، والرجال فتنة للنساء ، وهن فتنة لهم ، والأغنياء فتنة للفقراء، والفقراء فتنة لهم ، وابتلى كل أحد بضد جعله متقابلاً ، وكذلك ابتلاء عباده بالخير والشر في هذه الدار ، وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة ، ونعمة سابغة ، وحكم نافذ ، وأمر ونهي ، وتصريف دال على ربوبيته وإلهيته وملكه وحمده ، دال على كمال حكمته ومقتضى حمده التام . فلو لا هذا الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل الصبر، والرضى ، والتوكل ، والجهاد ، والعفة ، والشجاعة ، والحلم ، والعفو ، والصفح ، والله سبحانه يحب أن يكرم أوليائه بهذه الكمالات ويحب ظهورها عليهم ليثني بها عليهم هو وملائكته ، وينالوا باتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور ، وإن كانت مرة المبادئ فلا أحلى من عواقبها ، ووجود الملزم بدون لازمه ممتنع ، ولذا كان أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاءه وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار .

قال تعالى : ) آلم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون * من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ وهو السميع العليم * ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه أن الله لغني عن العالمين( .

فذكر سبحانه أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب ، والمؤمن من الكافر، ومن يشكره ويعبده ، ممن يكفره ويعرض عنه ، ويعبد غيره… سبحانه وبحمده له الحكمة البالغة.

فإذا قال قائل: إننا نرى مثلاً بعض الشرور تحصل، وذلك كالأمراض، وكذلك نرى المعاصي والفجور وغير ذلك، فيقال أولاً: إن أفعال الله سبحانه وتعالى كلها خير وحكمة وليس فيها شر بإطلاق، وإن كانت شراً على بعض الخلق بسبب كسبهم واختيارهم. ثانياً: الشر هذا الذي نراه إنما هو في مقدوراته ومفعولاته، ويوضح هذا أننا نجد في بعض المخلوقات المقدورات شراً كالحيات والعقارب، ونجد الأمراض والفقر والجدب وما أشبه ذلك، فكل هذه بالنسبة للإنسان شرا لأنها لا تلائمه، لكن باعتبار نسبتها إلى الله هي خير لأن الله لم يقدرها إلا لحكمة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.

(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء:80]

وكم من أمر يكرهه العبد ويرى أن فيه شـراً ، وليس كذلك
ولذا قال الله عز وجل : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ )
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لا أبالي أصبحت على ما أحب أو على ما أكره ؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره .
وقال الحسن : لا تكْرهوا النقمات الواقعة والبلايا الحادثة ، فلربّ أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أمر تؤثره فيه عطبك .

وكان عليه الصلاة والسلام يقول : الحمد لله على كل حال .

من أركان الإيمان : الإيمان بالقدر خيره وشـرِّه
إن الشر قد يكون في نظر العبد ، ولو كُشفت للعبد حُجب الغيب لما تمنى غير ما قدر الله وقضى .
فقال رجل : أنا في هذا البلد مهاجر ! وقد طُردت من بلدي ، وظننت أن ما حصل لي شـر ، وإذا بي أرى الخير من خلال ذلك الذي ظننته شـراً

فقيل له : ذكرتنا بكلمة جميلة لابن القيم رحمه الله حيث قال : كم مِن محنة في طيّـها مِنحـة
فوائد المرض

الابتلاء بالمرض سنة ماضية

حكم المرض وفوائده :


1 . استخراج عبودية الضراّء وهي الصبر :

- إذا كان المرء مؤمناً حقاً فإن كل أمره خير ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراّء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراّء صبر فكان خيراً له "

2 . تكفير الذنوب والسيئات :

- مرضك أيها المريض سبب في تكفير خطاياك التي اقترفتها بقلبك وسمعك وبصرك ولسانك ، وسائر جوارحك .

- فإن المرض قد يكون عقوبة على ذنب وقع من العبد ، كما قال تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير }

- يقول - صلى الله عليه وسلم - : " ما يصيب المؤمن من وَصب ، ولا نصب ، ولا سقَم ، ولا حزن حتى الهمّ يهمه ، إلا كفر الله به من سيئاته " .

3 . كتابة الحسنات ورفع الدرجات :

- قد يكون للعبد منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى ، لكن العبد لم يكن له من العمل ما يبلغه إياها ، فيبتليه الله بالمرض وبما يكره ، حتى يكون أهلاً لتلك المـنزلة ويصل إليها .

- قال عليه الصلاة والسلام : " إن العبد إذا سبقت له من الله منـزلة لم يبلغها بعمله ، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ، ثم صبّره على ذلك ، حتى يبلغه المنـزلة التي سبقت له من الله تعالى "



4 . سبب في دخول الجنة :

- قال - صلى الله عليه وسلم - : " يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب ، لو أن جلودهم كانت قرِّضت بالمقاريض " صحيح الترمذي للألباني .

5 . النجاة من النار :

- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضاً ومعه أبو هريرة ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أبشر فإن الله عز وجل يقول : هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة " السلسلة الصحيحة للألباني .

6 . ردّ العبد إلى ربه وتذكيره بمعصيته وإيقاظه من غفلته :

- من فوائد المرض أنه يرد العبد الشارد عن ربه إليه ، ويذكره بمولاه بعد أن كان غافلاً عنه ، ويكفه عن معصيته بعد أن كان منهمكاً فيها .

7 . البلاء يشتد بالمؤمنين بحسب إيمانهم :

- قال عليه الصلاة والسلام : " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط " حسنه الألباني في صحيح الترمذي .

- * بشرى للمريض :

- ما كان يعمله المريض من الطاعات ومنعه المرض من فعله فهو مكتوب له ، ويجري له أجره طالما أن المرض يمنعه منه .

- قال - صلى الله عليه وسلم - : " إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً " رواه البخاري .

- * الواجب على المريض :

- الواجب على المريض تجاه ما أصابه من مرض هو أن يصبر على هذا البلاء ، فإن ذلك عبودية الضراء .

- والصبر يتحقق بثلاثة أمور : 1 . حبس النفس عن الجزع والسخط 2. وحبس اللسان عن الشكوى للخلق .3 . وحبس الجوارح عن فعل ما ينافي الصبر .

- * أسباب الصبر على المرض :

1 . العلم بأن المرض مقدر لك من عند الله ، لم يجر عليك من غير قبل الله ..

- قال تعالى { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ، وقال تعالى { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها }

- قال عليه الصلاة والسلام : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " مسلم .

2 . أن تتيقن أن الله أرحم بك من نفسك ومن الناس أجمعين :

- عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - سبيٌ ، فإذا امرأة من السبي وجدت صبياً فأخذته ، فألصقته ببطنها وأرضعته ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قلنا : لا وهي تقدر أن لا تطرحه ، فقال : لله أرحم بعباده من هذه بولدها " البخاري .

3 . أن تعلم أن الله اختار لك المرض ، ورضيه لك والله أعلم بمصلحتك من نفسك :

- إن الله هو الحكيم يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها ، فما أصابك هو عين الحكمة كما أنه عين الرحمة .

4 . أن تعلم أن الله أراد بك خيراً في هذا المرض :

- قال عليه الصلاة والسلام : " من يرد الله به خيراً يصب منه " أي يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها .

5 . تذكر بأن الابتلاء بالمرض وغيره علامة على محبة الله للعبد :

- قال - صلى الله عليه وسلم - : " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم " صحيح الترمذي للألباني .

6 . أن يعلم المريض بأن هذه الدار فانية ، وأن هناك داراً أعظم منها وأجل قدراً :

- فالجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .

- قال - صلى الله عليه وسلم - : " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة ، فيصبغ في النار صبغة ، ثم يقال : يا ابن آدم : هل رأيت خيراً قط ؟ هل مرّ بك نعيم قط ؟ فيقول : لا والله يا رب . ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة ، فيصبغ في الجنة صبغة ، فيقال له : يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط ؟ هل مرّ بك شدة قط ؟ فيقول : لا والله يا رب ما مرّ بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط " - الصبغة أي يغمس غمسة ..

7 . التسلي والتأسي بالنظر إلى من هو أشد منك بلاء وأعظم منك مرضاً :

- قال عليه الصلاة والسلام : " انظروا إلى من هو أسفل منكم ، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم ، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم "


وأسأله سبحانه أن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق